الشيخ الطبرسي

644

تفسير جوامع الجامع

( فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ) أي : اطلُبُوا منْهُ المَغْفِرَةَ على كُفْرِكُم ومَعَاصِيكُم ( إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً ) لِطَالِبي المَغْفِرَة . ( يُرْسِلِ الْسَّمآءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً ) قيلَ : إِنَّهم لمَّا طَالَ إصْرارُهُم على الكُفْرِ والتَّكْذيبِ بَعْدَ تَكْريرِ دَعْوتِهِم ، حَبَسَ اللهُ عنْهُم الْقَطْرَ فَقُحِطُوا حتَّى هَلَكَتْ أَمْوالُهُم وأَولادُهُم ، فَلذلكَ وَعَدَهم أَنَّهم إِنْ آمَنُوا رَزَقَهُم اللهُ الخَصْبَ وَرَفَعَ عنْهم ما كانُوا فيهِ ( 1 ) . وعن الحَسَنِ : أنَّ رَجُلاً شَكَا إليهِ الجَدْبَ فَقَالَ : استَغْفِرِ اللهَ ، وشَكَا إليهِ آخَرُ الفَقْرَ فَقَالَ : استَغْفِرِ اللهَ ، وآخَرُ قِلَّةَ النَّسلِ ، وآخَرُ قِلَّةَ رَيْعِ أَرْضِهِ ، فَأَمَرَهُم كُلَّهُم بالاستِغْفَارِ ، فَقَالَ لَهُ الرَّبيعُ بنُ صُبَيْح : أَتَاكَ رِجَالٌ يشْكُونَ أَبْواباً وَيَسْألُونَ أَنْواعاً ، فَأَمَرْتَهُم كُلَّهُم بالاستِغْفَارِ ، فَتَلاَ لَهُ الآية ( 2 ) . وسَأَلَ رَجُلٌ الباقِرَ ( عليه السلام ) فَقَالَ : جُعِلْتُ فداكَ ، إِنِّي رَجُلٌ كثيرُ المالِ ولَيس يُولَدُ لي وَلَدٌ ، فَهَلْ من حيلة ؟ قَالَ : نَعَم ، استَغْفِرْ ربَّكَ سَنَةً في آخَرِ اللَّيلِ مائةَ مرَّة ، فإنْ ضَيَّعْتَ ذلك باللَّيلِ فاقْضِهِ بالنَّهارِ ، فإنَّ اللهَ تعالى يقُولُ : ( اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ . . . ) إلى آخَرِ الآية ( 3 ) . والمِدْرَارُ : المَطَرُ الكَثيرُ الدرُورِ ، مِفْعَالٌ ، يستَوي فيهِ المذَكَّرُ والمؤَنَّثُ . ( مَا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ للهِِ وَقَاراً ) أي : تأْملُونَ لَه تَوقيراً أي : تَعْظِيماً . والمعنى : ما لَكُم لا تَكُونُونَ على حَال تَأْملُونَ فيها تَعظيمَ اللهِ إيَّاكم في دارِ الكَرامَةِ ؟ و ( للهِِ ) بَيَانٌ للمُوقَّرِ ، ولَوْ تَأخَّرَ كانَ صِلَةً ل‍ " الوقَارِ " . وقوله : ( وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً ) في مَوضِعِ الحَالِ ، كأنَّه قَالَ : ما لَكُم لا تُؤْمنُونَ باللهِ والحَالُ هذهِ ، وهي أنَّه خَلَقَكُم تَارات : تُراباً ، ثمَّ نُطَفاً ، ثمَّ عَلَقاً ، إلى أن أَنْشَأَكُم

--> ( 1 ) قاله مقاتل . راجع تفسير القرطبي : ج 18 ص 302 . ( 2 ) حكاه عنه الزمخشري في الكشّاف : ج 4 ص 617 . ( 3 ) رواه الكليني في الكافي : ج 6 ص 8 ح 4 بإسناده عن بعض أصحابه ( عليه السلام ) بألفاظ متقاربة .